شيعة الخليج… الصمت الذي أسيء فهمه
بقلم: لميس ضيف
إيران أم الاستقلال؟
سؤال طرحه ممثل الأمم المتحدة على البحارنة في 1970، ولم ترُق لإيران الإجابة.
لو أُعيد السؤال اليوم بصيغة مختلفة — الوصاية الإيرانية أم الحكم الخليفي — فماذا ستختار؟
سؤال كررته مراراً لإنهاء نقاشات حادة حول “البطولات الإيرانية”، والإجابة ستُفاجئكم — كما فاجأتني تمامًا
**
تتجه الأنظار اليوم إلى شيعة الخليج بعد الاعتداءات الإيرانية المتكررة على مصالحه وأراضيه لتعرف مع من يصطفون، ولمن يميلون، وماذا يضمرون. والحق أن الشيعة في الخليج ليسوا كتلة واحدة، لا في الفقه، ولا في السياسة، ولا حتى في المزاج العام. في دول كالإمارات وقطر، مثلاً، هناك انصهار تام في المجتمع لا تكاد تميز فيه الشيعة عن سواهم إلا من خلال ألقابهم أو بإحيائهم ليوم العاشر من محرم حصرًا. ستجد لهم هوية متبلورة وحضورًا مستقلًا في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية تحت سقف الدولة، متصالحين معها وحريصين على عدم استفزازها. في الكويت لطالما صُنّف الشيعة كحلفاء للحكم، بتجربة اندماج راسخة، وحضور اقتصادي مركّز. وخلافًا لتوقعات بغداد، هم من شكّلوا نواة حركة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال العراقي عام 1990. أما حالة البحرين فأكثر تعقيدًا وتوترًا بحكم التداخل بين الديموغرافيا والسياسة والتاريخ، وعوامل أخرى ليس هذا مقامها ولا مقالها.
***
السرقة الناعمة — كيف استولت إيران على المذهب؟
لنكن دقيقين:
تاريخيًا، لم تكن إيران مركزًا للمذهب الشيعي، ولم يتحول التشيع فيها لمذهب دولة وهيمنة إلا في القرن السادس عشر. في حين تأسست حوزة النجف العراقية في القرن الحادي عشر، أي قبل أكثر من 500 عام على تشيّع إيران نفسها، وأنجبت النجف المرجعيات الكبرى على مدى قرون، وكانت المنهل الفكري والروحي للعالم الشيعي ؛ حاضنةً متعددة الجنسيات والإثنيات، وبنت مدرسة فقهية راسخة تميل إلى الفصل النسبي بين الدين والسلطة.
ثم جاءت الثورة الإيرانية لتطرح قم كثقل موازٍ، مدفوعة برؤية سياسية واضحة تربط المرجعية الدينية مباشرة بالسلطة السياسية. وخلال 47 عامًا، استثمرت إيران بكثافة في:
• تخريج معمّمين عبر حوزاتها
• استقطاب شخصيات مؤثرة دينيًا وإعلاميًا وأحاطتها برعايتها السخية
• بناء شبكات دعم فكرية واجتماعية عابرة للحدود
ونجحت في ترسيخ صورة ذهنية تُقدّم إيران بوصفها الحاضنة الطبيعية للمذهب الشيعي، والوصية عليه. وبهذا المسار، انتقل الثقل من النجف إلى قم، أو جزء معتبر منه ، دون مقاومة تُذكر، عبر تراكم نفوذ وبالتغلغل المؤسسي.
هذا الربط العضوي خلق أثرًا نفسيًا عميقًا عند جموع من أتباع المذهب:
• أصبحت مهاجمة إيران مهاجمة للمذهب الشيعي
• ونقد سياساتها خروجًا عن “البيت الشيعي” وانقلابًا عليه.
هذا الحاجز النفسي الصلب، الذي بُني ببطء ومنهجية، لم يكن حصينًا بما يكفي، فرفضه كثير من الشيعة وعلماء الشيعة. المؤسسة الإيرانية الدينية نفسها اختبرت معارضة عالية الرمزية من عدة مراجع، ربما كان أبرزهم المرجع حسين علي منتظري، نائب الخميني الذي كان مرشحًا لخلافته، والذي عُزل وفُرضت عليه الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 2009 بسبب إصراره على أن ولاية الفقيه لا أساس لها في المذهب الشيعي.
فخلافًا لما يُروّج، القول بولاية الفقيه ليس محل إجماع حتى داخل هذه النخب الدينية، لكن.. كان للاعتراض كلفة عالية، وعالية جدًا، كانت كفيلة بأن تجعل صوت الاحتجاج خافتًا، كما خلقت ازدواجية -موجعة- بين الرأي الخاص والمُعلن.
***
هل تريدين أن تُنزع عمامتي؟
عاينتها بنفسي، أكثر من مرة. ففي لقاء جمعني بقيادي بحريني معمّم في المهجر، فوجئت بمدى التقاطع بين رؤيته ورؤيتي، بل وفاقني في حدة نقده أحيانًا، فسألته ببساطة:
لم لا تقول هذا علنًا ؟
فأجابني بصرامة: “هل تريدين أن تُنزع عمامتي؟”
وفقط بعد أن سمعت هذه العبارة أكثر من مرة، من أكثر من معمّم، عرفتُ بما يُسمى في العرف الحوزوي “بسحب العمامة”، وهو إجراء يعني عمليًا أن الشخص لم يعد أهلًا لتمثيل المؤسسة الدينية أو ارتداء زيّها.
حين تُحجم القيادات الدينية — صاحبة الثقل الاجتماعي والمكانة العلمية — عن الجهر بقناعاتها خشيةً من حاضنتها، فأيّ شجاعة نطلبها ممن هم دونها منزلةً وأقلّ منها تحصينًا؟
صمت الشيعة.. عجز أم تواطؤ؟
في تجربة علمية لعالم السلوك ستيفنسون في 1967، تعلّمت مجموعة قرود أن تمنع أي فرد منها من تسلّق سلّم يؤدي إلى موز — بالضرب والدهس — لأن الباحثين كانوا يرشّونهم جميعًا بالماء البارد كلما حاول أحدهم التسلّق . توقف العقاب، واستُبدلت القرود تدريجيًا، فلم يبقَ أحد من الجيل الأول، لكن القاعدة بقيت سارية؛ يُطبّقها من لم يذق لسعة الماء البارد، ولم يعرف لماذا حُرِّم السلّم.
وفي عام 1951، أثبتت تجربة آش الشهيرة أن 75% من البشر يُعلنون إجابةً يعرفون — يقينًا — أنها خاطئة حين يرون الآخرين يُقِرّونها. الحيوان يرضخ لأنه لا يعرف. الإنسان يرضخ وهو يعرف. والفارق بين الحالتين هو بالضبط ما نتحدث عنه:
ليس غيابَ الوعي، بل خوفًا مُقنّعًا بالامتثال.
**
وشوم ذاكرة النبذ ..
في التسعينيات، عاشت البحرين انتفاضة ممتدة تُطالب باستعادة برلمان جُمِّد ودستور عُطِّل. لم يكن التيار موحّدًا. فقد آثر العلامة الشيخ سليمان المدني — الفقيه المتخرّج من حوزة النجف — طريق المناصحة والحوار على المواجهة، وأتبعه حشدٌ لا يُستهان به، لكن الثمن كان عاليًا:
التجار الذين التفّوا حوله طالتهم مقاطعة اقتصادية. الأئمة الذين تبنّوا خطابه تناقص المصلّون خلفهم إلى النصف. وبلغ الغليان ببعض الشباب آنذاك حدَّ الاعتداء على منازل وسيارات أتباعه. زيجات لم تتمّ، وأخرى انهارت، بسبب تباين المواقف السياسية. ووُصفوا بالمهادنين والمميعين والمنافقين.
تلك الحقبة انتهت رسميًا، لكنها تحولت إلى ذاكرة جماعية تعمل في الخفاء، وتُشكّل السلوك دون أن يعرف أصحابها لماذا. ومع اتساع الفضاءات الرقمية، أصبحت حملات الاستهداف أكثر فاعلية؛ إذ يبقى المحرّض الحقيقي مختبئًا خلف طبقات من الأسماء الوهمية وهنا تكمن الخطورة: أنت لا تعرف من يراقبك، ولا من يقتطع كلماتك من سياقها، ولا من يؤلّب عليك. ومع الوقت، لا يعود المجتمع بحاجة إلى قمعك؛ لأنك تتحول تدريجيًا إلى رقيب على نفسك.
فالحقيقة التي ما مناص منها أن البشر لا يعيشون بالخبز وحده، بل بالحاجة إلى الاعتراف والانتماء. وحين يُنبذ الإنسان من جماعته، ويُجرَّد من القبول داخل بيئته، يموت واقفا ويهاب الكثيرون الموت الاجتماعي أكثر من السجن نفسه.
***
ارتباك الهويات ..
في هذه الأزمة، تورّطت الذات الشيعية مع نفسها. وجد أغلب شيعة البحرين أنفسهم ناقمين من الاعتداءات الإيرانية على أرضهم ومصالحهم. حتى داخل البيئات التي اشتُهرت تاريخيًا بمقارعة السلطة، اشتعلت نقاشات ترفض الاعتداءات الإيرانية لكنها لم تخرج إلى العلن. لا لغياب القناعة، بل لأن الجهر سيُفسَّر هجومًا على المذهب ونيلًا من حاضنته، وهو اتهام لا يريد أحد أن يقف في مواجهته وحيدًا.
الوطنية التي تحرّكت في عروق الجموع كانت شاخصة، لكنهم لم يملكوا رفاهية التعبير بأريحية كغيرهم؛ بل ووقفوا بين فكي كماشة:
سردية زُرعت فيهم على مدى عقود مفادها أن إيران ليست دولة كسائر الدول، بل هي البيت الشيعي، والحضن الجامع، والمرجعية الكبرى. وفق هذه السردية، انهيار نظامها ليس انهيار حكومة قمعية، بل انهيار للطائفة في كل مكان.
ومن جهة أخرى، يتربّص الإقصاء الاجتماعي بكل من يجاهر برأيه باعتباره متملقا ومتسلقا. وهو ما كُتم الصوت الذي يقول حقيقة المشهد ؛ ليس هناك في أرضنا من يتمنى لها الشر. أما الأصوات التي برزت لتبرر السياسات الإيرانية، فهي إما مجهولة أو مُجهَّلة، عمياء أو مُعمَّاة. فالحقيقة البديهية تقول : أن ما من إنسان سوي يفرح بضرب أرضه. ولا أحد يبتهج بانهيار اقتصاد يعيش منه هو وجيرانه وأبناء حيّه. ولا يهنأ بمدارس مغلقة على أطفاله، ولا بصواريخ تستهدف مصانعه ومحطات تحلية المياه التي يشرب منها. ولا يقبل بأن تستهدف مطاراته أو تقرصن سفنه.
الشعوب — قبل السلطات — هي من يدفع فاتورة الدمار بدمها وقوتها وأعمارها. لهذا، ومهما بلغ التحامل عند تلك الأقلية مبلغه، يظل وقوفها مع المعتدي غير قابل للتفسير المنطقي، إلا إذا كانت تلك الأصوات مزيفة، أو ثمة أمر أكبر منها تأتمر بأمره.
**
حين ضاقت الشعارات.. وأتسّع الوطن
وفي عودٍ إلى البدء، دعوني أُخبركم بنتيجة استفتائي الشخصي.
كلما سألت:
ماذا لو خيّرتكم الأمم المتحدة اليوم، في 2026، بين الوصاية الإيرانية وآل خليفة؟
فمهما احتدّ النقاش، ومهما بدا المتحدث مأخوذًا ببطولات “المقاومة” أو مثقّلًا بالتبعية المرجعية، كان الجواب يأتي دائمًا، وبلا استثناء:
“ آل خليفة… طبعًا “.
لأن الإنسان، في لحظات الصدق العارية، يعود إلى غريزته الأولى:
الامتنان للبيت الذي ينتمي إليه . وللوطن الذي خبّأه تحت جناحه، واتّسع لكسوره وتناقضاته وأحلامه.
وهذا وحده… يكفي لفهم كل شيء.
لميس ضيف
**تعليق من منصة Dhafer Al-Zayani Fans:**
"اليقظة المتأخرة" والاعتراف بالحقيقة بعد رؤية ملامح الفشل الإيراني
"نضع بين أيديكم توثيقاً لمحطة هامة من محطات التحول الفكري، حيث تأتي هذه التغريدات لتعكس لسان حال من كان يوماً في صف المعارضة، ليعود اليوم ويقرّ بالحقيقة المُرّة التي حاولنا تبيانها منذ سنوات: إن الارتهان للمشروع الإيراني ليس إلا طريقاً مسدوداً نهايته الخراب والندم.
هذا الاعتراف الصريح بضعف المشروع التوسعي لولاية الفقيه، ومحاولة البحث عن الأمان تحت مظلة القيادة الوطنية لآل خليفة، يثبت أن السيادة والشرعية التاريخية هي الثابت الوحيد، بينما المراهنات الخارجية هي محض سراب. نحن نوثق هذه التحولات لنؤكد للأجيال أن البحرين، بقيادتها وشعبها المخلص، تظل دائماً هي الحصن المنيع، وأن العودة إلى حضن الوطن هي السبيل الوحيد للنجاة من عواصف الدمار التي تضرب المنطقة بسبب التبعية العمياء."
لميس ضيف












