هندسة الجغرافيا وتزوير "الأصالة":
مراجعة ديموغرافية لنزيف الهجرات وكشف "الغيتو" البصري
**يُشكل جيل ما بعد "ثورة الخميني" في البحرين حالة من الوعي المشوه، القائم على ادعاء "الأصالة المطلقة" وتصوير القيادة والمكون السني كعناصر طارئة أو "غزاة". لكن القراءة الفاحصة لطبقات التاريخ، والجغرافيا البشرية، وحتى "سيمياء اللباس" تكشف عن زيف هذا الادعاء.**
أولاً: سوسيولوجيا الهجرة (من "الحرفة" إلى "الهوية")
إن المكون الشيعي الغالب اليوم في البحرين ليس نتاجاً لجذور ضاربة في عمق "أوال" القديمة، بل هو نتاج موجات هجرة "مهنية" و"اضطرارية" بدأت منذ 1670م وتصاعدت في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1869م)..
* **دلالة الألقاب:** إن ألقاباً مثل (الحداد، الصائغ، الحايكي، السماك، الجمري، الستري) ليست مجرد أسماء، بل هي توثيق لمهن وفدت بها جماعات للعمل تحت ظلال الأمن الخليفي، وتم تمييزهم بحرفهم أو بمناطق سكنهم الطارئة.
* **ثنائية (العربي/الحلايل):** هناك فرق جوهري بين "الشيعة العرب" (الأقلية الأصيلة المنحدرة من قبائل عبد القيس وبني عقيل) وبين "الشيعة الفرس" أو الوافدين من المحمرة والإحساء والقطيف الذين أُطلق عليهم "البحارنة" أو "الحلايل" لتمييزهم عن النسيج العربي الأصيل.
ثانياً: سيمياء اللباس.. لماذا غاب العقال والغترة عن هوية القرى؟
هنا يبرز "الكشف البصري" الذي يهرب منه المنظرون للمظلومية؛ لماذا لم يرتدِ هذا المكون الزي الوطني (العقال والغترة) تاريخياً؟
1. **اعتراف الجذور المهنية:** تاريخياً، كان العقال والغترة رمزاً للفروسية والوجاهة والقبيلة العربية. وبما أن موجات الهجرة الوافدة (الحلايل والبحارنة) جاءت لتمارس الفلاحة والحرف اليدوية، فقد فرضت عليهم طبيعة العمل لباساً بسيطاً (الإزار أو الأثواب القصيرة).
هذا التمايز لم يكن اضطهاداً، بل كان إقراراً ذاتياً باختلاف "المنبت المهني" عن "المنبت القبلي" الحاكم والمالك للأرض.
2. **التبعية الأيديولوجية للشرق:** بعد عام 1979، تحول هذا التمايز إلى "انفصال سياسي". فبتوجيهات مرجعية، تم استبدال الهوية الخليجية بـ "الهوية الحسينية" العابرة للحدود، فأصبح الشباب في القرى يأنفون من لبس العقال والغترة (لباس العرب) لخلق "غيتو" بصري يميزهم عن بقية المواطنين، تماماً كما استبدل رجال دينهم البشت العربي بالعمامة والجبة الإيرانية.
3. **تأصيل "نقص الأصالة":** بينما يرتدي "الشيعة العرب" الأصليون العقال والغترة بكل اعتزاز، يتحاشى المكون الوافد هذا اللباس؛ وهو اعتراف صامت بأنهم لا يملكون الجذور القبلية التي تمنحهم الحق الأدبي في ارتداء زي أصحاب الأرض والسيادة.
ثالثاً: أسطورة "الأرض للمزارع" وفضيحة "نزيف السنة"
تروج السردية الانقلابية بأن القرى هي أصل البحرين، بينما الحقائق تقول:
1. **المحرق هي الأصل:**
هي العاصمة والمدينة الأقدم التي سكنها الحكام والعتوب (آل بن علي)، بينما كانت القرى عبارة عن "نخيل" ومزارع مملوكة في الغالب لقبائل سنية معروفة (مثل آل بن علي في سترة)، والمزارعون فيها كانوا أيدي عاملة مستوردة لم يكونوا يوماً أسياداً أو وجهاء.
2. **نزيف العروبة:** في المقابل، غادر البحرين أكثر من **20,000 عائلة سنية** (مثل هجرات البنعلي والدواسر وقبائل النعيم والكعبان)، مما خلق فراغاً ديموغرافياً استغلته موجات الهجرة الوافدة لتدعي لاحقاً "أغلبية" زائفة.
رابعاً: التجنيس.. "فوبيا" الميليشيات من توازن العروبة
عندما اتخذت الدولة قراراً بتجنيس العرب (سنة وشيعة) الذين استوفوا الشروط القاسية (إقامة من 15 إلى 25 سنة)، قامت قيامة الميليشيات لأن هذا القرار أعاد التوازن الديموغرافي الذي فُقد بالهجرات السنية. ورغم محاولات التشكيك، إلا أن لجان التحقيق البرلمانية (بما في ذلك ممثلوهم) اعترفوا في المحاضر الرسمية (2006-2010) بأن العمليات كانت قانونية تماماً.
### **خاتمة:**
إن اختيار العيش بعيداً عن المدن في "قرى معزولة" لم يكن نتيجة اضطهاد، بل ربما كان إحساساً بالنقص أو خجلاً من فقر وجذور مهنية بسيطة. لكن أيديولوجيا "الولي الفقيه" حولت هذا الانعزال إلى منصة للانقلاب على الدولة التي آوتهم وأعطتهم الأمان. التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالأنساب والوثائق.. والعروبة باقية.
**ظافر حمد الزياني**
Tags
ارشيف ظافر الزياني
