50- جزء 3: الخميني ومذبحة القوى السياسية التي تعاونت معه
.ثم بــدأت مذبحــة الرفــاق!
40 عاماً من حكم الملالي.. هل دقت ساعة العودة إلى ما قبل سنة 1979؟
تقرير - عبدالحق الصنايبي
صحيفة الرياض
بني صدر.. قصة رئيس إيراني اختبأ من بطش الخميني
تُفيدنا كتب التاريخ أن التحالفات التي تقوم بها القوى السياسية المعارضة للسلطة غالبا ما تنتهي بتطاحنات دموية بعد نجاح المهام الثورية، وهو المعطى الذي أكدته الثورة الفرنسية سنة 1789م عندما انتهى الأمر بجميع رموزها إلى المقصلة التي تم تثبيتها لإعدام فلول النظام السابق، والمعارضون لمبادئ الثورة كما سطرها روبسبيير، والذي سينتهي به الأمر تحت المقصلة جسدا بدون رأس.
سيتكرر المشهد نفسه مع الثورة البلشفية التي قادها فلادمير لينين سنة 1917م عندما قام الحزب البلشفي بتصفية جميع المعارضين، خصوصا خلال العهد الستاليني، ومن أبرزهم الروائي العالمي مكسيم غوركي وإيد كيروف وغريغوري زينوفايف. وهو ما يقطع أن الأشكال العنيفة للتغيير غالبا ما تنتهي إلى تصفية حسابات بين زعماء التحرك الثوري تنتهي بانفراد أقواهم أو أدهاهم بالحكم المطلق.
في هذا السياق، لن تحيد الثورة "الخمينية" عن باقي الانحرافات التي عرفتها أهم الثورات التي عرفها العالم، حين انبرى نظام الملالي في إيران إلى تصفية خصوم الثورة قبل أن تمتد أيديه إلى البطش بشراكهم في الانقلاب على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، والذين انتهى بهم مصيرهم إلى أعمدة المشانق أو إلى الموت في ظروف غامضة أو النفي من بلادهم، ليعيشوا بقية حياتهم في حالة من الشتات في ظل الحكم الديكتاتوري لنظام الولي الفقيه.
وكما سبق وأن أصلنا لذلك في الحلقة السابقة، لم يكن الخميني البطل الوحيد للثورة، بل كان أحد أضلاعها فقط، إن لم نقل الضلع الأضعف فيها. وحتى الثورة لم تكن في بدايتها "إسلامية"، بل شارك وساهم فيها جميع أطياف الشعب الإيراني، شيوعيون وليبراليون وعلمانيون ورجال دين، غير أن الخميني، وكما استطاع الالتفاف على الطموحات السياسية لزعماء هذه الأطياف السياسية والإيديولوجية، استطاع أن يفتح شرخ بين هؤلاء الزعماء ليقوم باستئصالهم بالتتابع إلى أن انتهى به الأمر بتصفية أقرب مقربيه، ليصبح هذا التقليدي الإرهابي معطى ثابت في تعامل نظام "المرشد" مع المخالفين ولم كانوا ينتمون إلى المربع المقرب لنظام الملالي في إيران.
طالقاني
ولد محمود طالقاني عام 1911 في شمال إيران لعائلة دينية، ودرس العلوم الفقهية في مدينة قُم، وكان من أبرز رجال الدين المناهضين للشاه وعضوًا بارزًا في حركة الحرية الإيرانية المعارضة. كما أن طالقاني كان على اتصال دائم بالخميني في منفاه، وساعده في تأسيس قاعدة شعبية مهمة ساهمت في إنقاذ الخميني من حبل المشنقة بعد خطبته الشهيرة ضد الشاه، كما مهدت لوصوله إلى السلطة بعد عودته من منفاه في فرنسا، ليتم تعيين طالقاني عضوا في المجلس الثوري، في الوقت الذي تحدثت فيه بعض المصادر على أنه كان رئيسه السرّي.
بدأت بوادر الاحتكاك بين الرجلين تظهر جليّاً، في ظل الميولات اليسارية لطالقاني ورفضه للسلطات الواسعة التي منحها الدستور لرجال الدين، خصوصا وأن طالقاني كان من المؤسسين لتيار "نهضة الحريّة" الذي تزعمه إلى جانب نوري بازركان.
يقول مجتبي طالقاني الابن بأن والده "كان يعمل جاهداً على ألّا يكون البديل عن الشاه رجلاً من رجال الدين، وكان يدفع القوى الوطنيّة حينذاك لتأسيس جبهة موحّدة. بعد الثورة كان قلقاً خصوصاً من رجال الدّين الذين کانوا یُعدّون أنفسهم للقبض على السلطة عبر قمع المعارضین الآخرین الذین ساهموا في انتصار الثورة".
سيصل الصراع ذروته بين الخميني وطالقاني عندما قام هذا الأخيرة بإلقاء خطبة شهيرة في جامعة طهران قال فيها "أنا الآن خائف من عودة الاستبداد مرة أخرى إلى إيران، لكن في هيئة جديدة". وأكيد أن طالقاني كان يقصد بالاستبداد ديكتاتورية الملالي تحت مظلة الخميني، ليصدر هذا الأخير أمراً باعتقال نجلي طالقاني.
على إثر هذه المواجهة مع الخميني، سيقرر طالقاني اعتزال العمل السياسي والمهني ومغادرة طهران إلى وجهة لم يعلن عنها، ليُخَلِّف اعتزاله ردة فعل عكسية لدى الجماهير الإيرانية التي نزلت إلى الشوارع تهتف بشعار "يا طالقاني أنت روح الثورة، ونحن نحبك". هذا التحرك الشعبي أحرج الخميني الذي ضغط على طالقاني للظهور في وسائل الإعلام المحلية والتعبير عن أسفه عن خطبة جامعة طهران.
غير أن نظام الملالي سيعلن، في سبتمبر 1979م، عن وفاة طالقاني على إثر، ما اعتبروه، مضاعفات آلام الصدر. غير أن شكوكا كثيرا ظلت قائمة حول وفاة طالقاني، خصوصا وأنه لم يسبق له أن اشتكى من مشاكل تنفسية أو قلبية. وفي هذا الصدد يقول طالقاني الابن "كنت دائماً ملازماً لوالدي، ولكن لضرورات عائليّة ذهبت مع والدتي إلى مشهد، استغلّ المتشدّدون غيابي فأبعدوا الحرس عنه وقطعوا خطّ الهاتف، وعندما أصيب بعارض صحّيّ، كان هناك أربعة مستشفيات قريبة من المنزل لم يُنقل إلى أيّ منها. وعندما طلبت العائلة تشريح الجثّة لمعرفة سبب الوفاة الحقيقيّ رفضت السلطات بحجّة أنّ المتوفّى رجل دين! وأعلنوا أنّ الإمام توفّي بسبب ذبحة قلبيّة".
وبوفاة طالقاني تكون الثورة الإيرانية قد فقدت أحد أبرز وجوه الاعتدال التي كانت قادرة على الوقوف في وجه الخميني ورجال الدين، في ظل الشعبية الجارفة التي كان يتمتع بها الرجل.
شريعتمداري: منقذ الخميني
وُلد محمد كاظم شريعتمداري في مدينة تبريز عام 1905، وكان من أهم رجال الدين المعارضين لنظام الشاه. ولعل قوة شريعتمداري استمدها من علاقاته القوية بالأقليات في إيران، مما جعله من أهم الوجوه الثورية وأحد أعضاء المجلس الثوري. هذا المعطى دفع بالشاه محمد رضا بهلوي إلى اللجوء إلى شريعتمداري لمساعدته على اختيار حكومة تمتلك قاعدة شعبية في إيران، إلا أنه رفض العرض مفضلا الاصطفاف إلى جانب المعارضة.
وبعد خطبة الخميني الشهيرة، قام الشاه بإصدار أمر اعتقاله، وحكم عليه بالإعدام، ليقوم آية الله شريعتمداري بالتدخل لإنقاذ الخميني، حيث أصدر مرسوماً يعتبر فيه الخميني أحد أكبر المرجعيات الدينية في إيران، وأنه حاصل على رتبة "مجتهد"، وهي الدرجة العلمية الرفيعة التي تمنع القانون من إصدار أوامر الاعتقال وتوجيه التهم لأصحابها، ليغادر الخميني السجن متجها نحو تركيا.
بعد نجاح الثورة، أسس شريعتمداري حزب "الشعب الإسلامي"، ليصطدم بعدها بإصدار الدستور الإيراني الذي يعطي صلاحيات مطلقة للمرشد الأعلى، وهو ما رآه يشكل خطرا على إيران، على اعتبار أن رجال الدين يجب أن يحظوا بصلاحيات جد محدودة في ظل مجتمع متعدد التوجهات والانتماءات والأعراق.
«الإعدامات بعد الثورة تبدأ بالسفهاء وتنتهي بالعقلاء، وللأسف هذه حال ثورتنا، فقد أعدم النظام كثيراً من العقلاء» * أبو الحسن بني صدر*
رأى شريعتمداري أن الخميني في الاتجاه إلى أن يصبح الشاه الجديد بمرجعية دينية تحصنه من المتابعات والملاحقات القانونية، ليقرر الخميني التخلص من هذا الصوت المعارض الذي يقف أمام تمتع رجال الدين في إيران بسلطات واسعة وغير محددة.
سيصل الصراع بين الخميني وشريعتمداري ذروته عندما قاد، هذا الأخير، مظاهرات سلمية للاعتراض على إقصاء التيارات السياسية المختلفة والمجموعات العرقية من الحكومة. وفي سنة 1982م، سيتم اتهام شريعتمداري بالتآمر للإطاحة بنظام الحكم والتخطيط لاغتيال الخميني، ليتم تجريده من درجة "آية الله" العلمية، ووضعه تحت تدابير الإقامة الجبرية. ولم يكتف الخميني بهذا، بل أجبره، هو وعائلته، على الظهور أمام التلفزيون الرسمي والاعتراف بالتهمة التي رسم أركانها نظام الخميني.
كانت هذه الضربات المتتالية كافية لدخول شريعتمداري في أزمات صحية متتالية انتهت بإصابته بالسرطان، لينتقل إلى دار البقاء في أبريل سنة 1986م، وتُجبَر عائلته على دفن جثمانه سرًّا وفي وقت متأخر من الليل خوفًا من تجمهر الشعب الإيراني في الجنازة. وبذلك طويت صفحة أخرى لأهم الشخصيات الثورية التي وقفت في وجه الخميني ورفضت حكم الملالي في إيران.
صادق قطب زاده: ضحية مؤامرة المرشد
وُلد صادق قطب زاده في طهران عام 1936، وكان من أشد المعارضين لنظام الشاه، وبالرغم من ذلك لم يتحالف مع رجال الدين في البداية ضده. غادر إيران نحو الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1959، لينشغل بالأمور السياسية، وتنظيم مظاهرات معادية للشاه كلما حضر، هذا الأخير، إلى واشنطن. ونتيجة لنشاطاته المتزايدة، طرد صادق قطب من الولايات المتحدة سنة 1970، وحصل على اللجوء السياسي في سورية. في عام 1976 غادر قطب زاده نحو باريس ليعمل كمراسل لصحيفة "الثورة" السورية. (المثلث الإيراني، شاموئيل سيغف، ص 93). وفي عام 1977 انضم زاده إلى الخميني في العراق، وعندما طرد الخميني من العراق في أكتوبر 1978، انتقل معه إلى باريس ومن ثم عين مديراً لمحطة التلفزيون في النظام الثوري.
اعتُبر صادق قطب زاده المستشار الخاص للخميني ومترجمه الشخصي عندما كان في منفاه بباريس، ليتم تعيينه وزير خارجية الحكومة المؤقتة بعد عودة الخميني، ويقال أنه لولا صادق قطب زاده لما استطاع الخميني خدعة الغرب حول طبيعة نظام الحكم الذي يتم التحضير له في إيران.
سيتولى زاده مسؤولية تدبير قطاع الإذاعة والتلفزيون وحصل على عضوية "المجلس الثوري". وقاد قطب زاده الوفد المفاوض في أزمة الرهائن الأمريكية، ليبدأ، بعد ذلك، صراعه مع رجال الدين عندما سيطروا على البرلمان، فقرر اعتزال العمل السياسي والتفرغ لدراسة الفلسفة.
في عام 1982 اعتقل الخميني صادق زاده بتهمة زرع متفجرات قُرب بيته بإيعاز من شريعتمداري وأجبره على الاعتراف في التلفزيون، وحوكم في إيران محاكمة ثورية بسبب ما نسب إليه من تهم "جاهزة" تتعلق بالتجسس والاتصال مع أعداء الثورة ونفذ فيه حكم الإعدام. (عبدالرؤوف الريدي: رحلة العمر، ص 342)
وحول هذا الاتهام قال آية الله منتظري في كتابه "الذكريات": "إن التهم مزورة والهدف منها اتهام شريعتمداري بالضلوع في المؤامرة للقضاء عليه"، كما ذكر منتظري أن أحمد الخميني ذهب لصادق قطب في السجن وقال له اعترف وسيعفو عنك المرشد وبعد اعترافه تم إعدامه في 1982.
أبو الحسن بني صدر: آخر الثآئرين
وُلد بني صدر في محافظة همدان عام 1933 من أسرة يغلب عليها طابع الالتزام الديني، حيث كان والده من أصدقاء الخميني المقربين. التحق أبو الحسن بالنضال الجماهيري لإسقاط حكم الشاه في إيران ليتم إلقاء القبض عليه في مرات عدة، انتهت به إلى مغادرة إيران في اتجاه باريس، حيث التحق بالخميني وأُعجب به معتبرا إياه، في إحدى شهاداته، والده الروحي.
استغل الخميني ثقة بني صدر ليضمن ولاءه، واعدا إياه بحكم ديمقراطي في إيران تكون فيه الكلمة العليا للشعب. غير أن الخميني انقلب على جميع الوعود التي قطعها على نفسه، من خلال تمكينه الملالي من إحكام القبضة على السلطة في إيران.
بعد قيام الثورة شغل أبو الحسن مناصب كثيرة، فكان وزيرًا للمالية، وشارك في الحرب العراقية الإيرانية، ودافع عن توقيع اتفاقية وقف الحرب بناء على ملتمس تقدم به صدام حسين، إلا أن الخميني رفض وقف الحرب مُفضلا إفناء جيل الثورة بالكامل على جبهات القتال.
انتُخب بني صدر رئيسًا لإيران سنة 1980م، وخلال هذه الفترة اشتهر بمعارضته لسياسة الخميني، انتهت بارتكابه لخطأ استراتيجي سيكلفه ثمنا غاليا، عندما أقدم على نشر استطلاع للرأي يشير إلى أن شعبية رئيس الجمهورية بلغت نسبة 80%، في حين توقفت شعبية الخميني عند نسبة 49%، وهو استطلاع الرأي الذي نشرته جريدة "لوموند" الفرنسية الذائعة الصيت. هذا المعطى دفع بالملالي في إيران إلى الضغط على الخميني للتخلص من بني صدر، مستغلين الرغبة التي عبر عنها "المرشد الأعلى" للبطش من بني صدر، بعد محاولاته الحثيثة وقف الحرب ضد العراق ونشر استطلاعات للرأي اعتبرت، آنذاك، تحديا لحكم الخميني ولسلطة الملالي.
وبعدما أحس بني صدر برغبة نظام الخميني التخلص منه، هرب ليختبئ في مكان سرّي في إيران، رغم كونه كان لا يزال رئيسا للجمهورية، ليستغل علاقته القوية بقائد القوات الجوية الذي ساعده على الهرب إلى فرنسا حيث يقيم إلى وقتنا هذا.
انطلاقا مما سبق، يتبين كيف أن الخميني قاد الثورة الإيرانية ضد الشاه، ليقوم بتأسيس نظام دكتاتوري قمعي أشد من نظام الشاه والذي كان أولى ضحاياه رفاق الخميني في الثورة
Meta AI
قراءة تحليلية في مقال: "الخميني ومذبحة القوى السياسية التي تعاونت معه"
الفكرة الجوهرية
الثورات التي تقوم على العنف تنتهي غالباً بتصفية "شركاء الميدان" قبل خصومها. الثورة الإيرانية 1979 ليست استثناء: الخميني استخدم كل التيارات لإسقاط الشاه، ثم استفرد بالحكم عبر سلسلة تصفيات ممنهجة لرفاقه.
آلية "مذبحة الرفاق" كما وثقها المقال
3 أنماط إجرامية كررها نظام ولاية الفقيه:
نكران الجميل السياسي: كل من أنقذ الخميني أو أوصله للحكم تم التنكيل به. شريعتمداري أنقذه من المشنقة، فكافأه الخميني بالمشنقة السياسية.
الاعترافات التلفزيونية القسرية: أداة ثابتة لإذلال الخصم قبل تصفيته. استخدمت مع شريعتمداري وقطب زاده، وما زالت مستمرة.
تصفية المعتدلين أولاً: طالقاني كان يمثل تيار "الدولة لا دولة الملالي". التخلص منه فتح الباب لحكم الفرد المطلق.
الخلاصة التي يفضحها المقال
«الإعدامات بعد الثورة تبدأ بالسفهاء وتنتهي بالعقلاء، وللأسف هذه حال ثورتنا» — أبو الحسن بني صدر
ولاية الفقيه لا تقبل شريكاً، ولا معارضاً، ولا حتى منقذاً.
إذا كان هذا تعاملها مع "رفاق الخندق" الذين أوصلوا الخميني للحكم، فكيف تتعامل مع بقية الشعب الإيراني وكل من يخالفها؟
النمط مستمر من 1979 إلى اليوم: من منتظري إلى موسوي وكروبي إلى ضحايا انتفاضة 2022. الوجوه تتغير، والمقصلة واحدة.
Meta AI 2
قراءة في "مذبحة الرفاق": كيف التهمت ولاية الفقيه شركاءها
تؤكد تجارب التاريخ أن الثورات التي تُبنى على العنف والتحالفات الهشة غالباً ما تنتهي بمشهد دموي واحد: المنتصر يستفرد بالسلطة ويُصفي رفاق السلاح. الثورة الفرنسية أرسلت روبسبيير إلى نفس المقصلة التي نصبها لخصومه، والثورة البلشفية أكلت أبناءها في عهد ستالين. الثورة الإيرانية عام 1979 لم تكن استثناءً من هذه القاعدة، بل قدمت نسخة دينية من "مذبحة الرفاق" تحت عباءة ولاية الفقيه.
الخميني لم يكن وحده في الميدان، ولم تكن الثورة "إسلامية خالصة" كما يُروّج لها اليوم. شارك فيها الشيوعي والليبرالي والعلماني ورجل الدين المعتدل. لكن الخميني استخدم الجميع سلّماً للوصول إلى العرش، ثم سحب السلّم بمن عليه واحداً تلو الآخر.
1. محمود طالقاني: تصفية صوت الاعتدال
كان طالقاني رجل دين بميول يسارية وأحد أبرز المعارضين للشاه. ساهم بشكل مباشر في إنقاذ الخميني من حبل مشنقة الشاه بعد خطبته الشهيرة، وكان عضوا بارزا في المجلس الثوري بعد نجاح الثورة. الخلاف بدأ عندما رفض طالقاني الصلاحيات المطلقة لرجال الدين في الدستور الجديد. ألقى خطبته الشهيرة في جامعة طهران وقال: "أنا الآن خائف من عودة الاستبداد مرة أخرى إلى إيران، لكن في هيئة جديدة". كان يقصد استبداد الملالي. الرد جاء سريعاً: اعتقال نجليه للضغط عليه، ثم اعتزاله السياسة، ثم إعلان وفاته بشكل مفاجئ في سبتمبر 1979. عائلته شككت في الوفاة وأكدت أنه لم يكن يعاني من مشاكل قلبية، والسلطات رفضت تشريح الجثة. بموته تخلص الخميني من التيار الديني القادر على لجم تغول ولاية الفقيه.
2. محمد كاظم شريعتمداري: مكافأة المنقذ بالإذلال
شريعتمداري مرجع شيعي كبير من تبريز. عندما حكم الشاه على الخميني بالإعدام، تدخل شريعتمداري وأصدر مرسوما يعتبر الخميني "مجتهد"، وهذه الرتبة تمنع اعتقاله قانونياً. لولاه لأُعدم الخميني سنة 1963. بعد الثورة أسس شريعتمداري حزب "الشعب الإسلامي" واعترض على ولاية الفقيه المطلقة في الدستور. رأى أن الخميني يتحول إلى "شاه جديد بعمامة". سنة 1982 اتهمه النظام بالتآمر لاغتيال الخميني. جُرّد من رتبة "آية الله"، وُضع تحت الإقامة الجبرية، وأُجبر مع عائلته على الظهور في التلفزيون الرسمي والاعتراف بتهمة ملفقة. مات بالسرطان سنة 1986 ودُفن ليلاً سراً خوفاً من تجمهر الناس. هذا هو رد جميل ولاية الفقيه لمن أنقذ مؤسسها من الموت.
3. صادق قطب زاده: إعدام مهندس الصورة
قطب زاده كان المستشار الخاص للخميني ومترجمه في منفى باريس. هو من قدّم الخميني للغرب على أنه زعيم ديمقراطي يريد الحرية لإيران. عُيّن وزيراً للخارجية بعد الثورة، ثم اعتزل السياسة بعد سيطرة رجال الدين على البرلمان. سنة 1982 اعتقله الخميني بتهمة زرع متفجرات قرب بيته بإيعاز من شريعتمداري. يذكر آية الله منتظري في كتابه "الذكريات" أن أحمد الخميني زار قطب زاده في السجن وقال له: "اعترف وسيعفو عنك المرشد". اعترف قطب زاده تحت الضغط في التلفزيون، فكان جزاؤه الإعدام. القرب من الخميني لم يشفع له، بل عجّل بنهايته.
4. أبو الحسن بني صدر: هروب الرئيس المنتخب
بني صدر أول رئيس جمهورية منتخب بعد الثورة، وابن صديق مقرب للخميني. كان يعتبر الخميني والده الروحي. عارض استمرار الحرب مع العراق ودعا لوقفها، لكن الخميني رفض. الخطأ الذي كلفه منصبه هو نشر استطلاع رأي في جريدة "لوموند" الفرنسية أظهر أن شعبية بني صدر 80% مقابل 49% للخميني. الملالي اعتبروها إهانة للمرشد. سنة 1981 هرب بني صدر من إيران وهو لا يزال رئيساً للجمهورية بمساعدة قائد القوات الجوية، ولجأ إلى فرنسا حيث يعيش إلى اليوم. حتى شرعية الصندوق الانتخابي تسقط إذا تعارضت مع شرعية الولي الفقيه.
الخلاصة: المقصلة واحدة
من طالقاني إلى بني صدر، النمط واحد: استخدمهم الخميني للوصول، ثم تخلص منهم للبقاء. الاعترافات التلفزيونية القسرية، الوفيات الغامضة، النفي، والإعدامات. هذا هو منهج ولاية الفقيه مع رفاقها. فكيف سيكون منهجها مع باقي الشعب؟
مقولة بني صدر تلخص المأساة كلها: «الإعدامات بعد الثورة تبدأ بالسفهاء وتنتهي بالعقلاء، وللأسف هذه حال ثورتنا». القائمة لم تتوقف سنة 1981، بل امتدت إلى منتظري خليفة الخميني المعزول، وموسوي وكروبي تحت الإقامة الجبرية منذ 2011، وآلاف الشباب في انتفاضات 2009 و2019 و2022. الوجوه تتغير والمقصلة واحدة.
إذا كان هذا تعامل نظام الولي الفقيه مع أقرب الناس إليه، ومع من أنقذوه من الموت والسجن والمنفى، فكيف سيتعامل مع مواطن عادي يهتف في الشارع "لا"؟
