قبل ديسمبر 1981: عندما كانت قلعة وزارة الداخلية المنامة كالبيت المفتوح لكل الشعب
لم تكن قلعة وزارة الداخلية في البحرين مجرد ثكنة أمنية، بل كانت جزءاً من نبض حياتنا اليومية.
أتذكر جيداً قبل ديسمبر 1981، كيف كانت أبوابها مفتوحة على مدار الساعة **24/7**.
عند الدخول من بوابة القلعة الرئيسية، تجد على يمينك إدارة المرور والتراخيص، وأمامك سوبر ماركت وزارة الداخلية، وعلى الشمال المبنى الأمني. كنا —سنة وشيعة وإيرانيين— نعيش في نسيج واحد من الأمان الفطري الذي لم نكن نتخيل أن يخدشه غدر.
في الليل، عندما كانت كافة المحلات في البحرين تغلق أبوابها، كانت القلعة هي الوجهة؛ فالسوبر ماركت التابع لها تظل أبوابه مفتوحة للجميع، يرتاده المواطنون من كل حدب وصوب لشراء مستلزماتهم في أمان تام.
وفي الصباح، كانت مكاتب المرور تزدحم بالمواطنين، تضطر لإيقاف سيارتك في الخارج والسير للداخل لتخليص معاملتك وسط الموظفين والضباط بلا حواجز.
هناك، بين تلك الجدران، تعلم جيلنا القيادة؛ كانت ساحات القلعة هي المكان الذي ننطلق منه في تدريب السياقة، ونتعلم فيها "الريوس" بين الكراجات.
لم تكن هناك شدة أمنية، لأن الثقة كانت هي القانون غير المكتوب.
في تلك الأجواء، وبصفتي ابناً لمحامٍ عريق —تم انتدابه من المحكمة للترافع عن ثلاثة من المتهمين— اطلعتُ على أوراق قضية محاولة الانقلاب التي غيرت وجه التاريخ في ديسمبر 1981.
ومن هنا بدأت رحلتي... وأنا لم أصل إلى سن العشرين بعد؛ لقد أدخلني القدر المكتوب لفهم السياسة الدفاعية، ورصد كيف تحول هذا الأمان إلى إجراءات أمنية مشددة فُرضت علينا فرضاً بسبب فكر مستورد أراد تفجير هذا البيت المفتوح.
كشفت لوائح الاتهام التي قرأتها عن غدرٍ يفوق الخيال؛ فقد تم ضبط ملابس عسكرية تطابق تماماً ملابس الشرطة البحرينية، وقبعات تحمل نفس شعار وزارة الداخلية، وأحذية مطابقة. كان المخطط يهدف لاستغلال "الزي الرسمي" الذي نثق فيه، ليدخلوا به متنكرين ويحتلوا القلعة من الداخل.
ورغم جسامة الجرم، تجلت عدالة القضاء البحريني في الأحكام. ذهبتُ مع والدي —رحمه الله— لزيارة أهالي المتهمين الثلاثة لإبلاغهم بالحكم. وعندما أخبرهم والدي بأن الحكم هو **(3 سنوات فقط)**، انطلق صراخ والد أحدهم وهو يردد بذهول: *"بس هذا الحكم؟ الحمد لله.. الحمد لله!"*.
سألتُ والدي حينها: لماذا صرخ وقال "بس"؟ ولماذا ردد الحمد لله بكل هذا التأثر؟ أجابني والدي: *"لقد كان يتوقع الإعدام لجسامة ما فعلوا، ومن هول مفاجأة الحكم المخفف والرحيم، فقد السيطرة على نفسه من الفرح"*.
يتبع
**ظافر ابن المحامي حمد فهد الزياني**
Tags
ارشيف ظافر الزياني
